ابن عربي

92

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

فيجمع بين الذكورة والأنوثة ، وهو قوله تعالى : « أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً » ، فإن كانا على السواء من جميع الجهات والاعتدال من غير انحراف ماء أحدهما كان الخنثى ، يحيض من فرجه ويمني من ذكره ، فيعطي الولد ويقبل الولد ممن ينكحه ، وإن انحرف الماء عن الاعتدال ولم يبلغ مبلغ العلو على الآخر كان الحكم للمنحرف إلى العلو ، فإن كان ماء المرأة حاض الخنثى ولم يمن ، وإن كان ماء الرجل أمنى ولم يحض ، فسبحان القدير الخلاق العليم « إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ » فوصف تعالى نفسه في ذلك بأنه عليم قدير وهو وصف يرجع إليه . [ سورة الشورى ( 42 ) : آية 51 ] وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ( 51 ) [ « وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً . . . » الآية : ] اعلم أن المناجاة والمشاهدة لا يجتمعان ، فإن المشاهدة للبهت والكلام للفهم ، فالعبد في حال الكلام مع ما يتكلّم به لا مع المتكلم ، أي شيء كان . واعلم أن خطاب اللّه تعالى أو كلام اللّه تعالى لمن شاء من عباده في حالتي اليقظة والمنام على ثلاثة أنواع : نوع يسمى وحيا ، ونوع يسمعه كلامه من وراء حجاب ، ونوع بوساطة رسول ، فيوحي ذلك الرسول من ملك أو بشر بإذن اللّه ما يشاء اللّه لمن أرسله إليه ، وهو كلام اللّه ، إذ كان هذا الرسول إنما يترجم عن اللّه ، فالإنسان لا يسمع كلام الحق من كونه بشرا إلا بهذه الضروب التي ذكرها الحق في هذه الآية أو بأحدها ، فإذا زال في نظره عن بشريته وتحقق بمشاهدة روحه كلمه اللّه بما كلم به الأرواح المجردة عن المواد ، وذلك لأن للبشر ما يباشره من الأمور الشاغلة له عن اللحوق برتبة الروح التي له من حيث روحانيته ، فإن ارتقى عن درجة البشرية كلمه اللّه من حيث كلم الأرواح إذ كانت الأرواح أقوى في التشبه ، لكونها لا تقبل التحيز والانقسام ، وتتجلى في الصور من غير أن يكون لها باطن وظاهر ، فما لها سوى نسبة واحدة من ذاتها ، وهي عين ذاتها ، والبشر من نشأته ليس كذلك ، ففيه ما يقتضي المباشرة والتحيز والانقسام ، وفيه ما لا يطلب ذلك وهو روحه المنفوخ فيه ، ولذلك قال تعالى : « وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ » وهو بشر « إِلَّا وَحْياً » وهو الخطاب الإلهي ، والوحي هو السرعة ، والوحي هو المفهوم الأول والإفهام الأول ، ولا أعجل من أن يكون